26222
جميع الحقوق محفوظة ولا يتم إعادة النشر أو الإقتباس إلا بإذن مع الإشارة للمصدر احتراماً لأصحاب الأقلام التي تفضلت علينا بعلمها ... تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال

البث المباشر لغرفة الحوار الإسلامي المسيحي للشيخ وسام عبد الله

البث المباشر لتليفزيون المركز الألماني للثقافة والحوار

الخميس، يوليو 30، 2009

البطيخة ... قصة قصيرة

تتسارع قطرات العرق تسابق بعضها لتغادر جبهته إلى الأرض صوباً، معترضةً على ركونها على وجهه.
وقد تعجل أصابع يده بنهايتها أو ينجز على حياتها بمنديله.
يرسل عينيه إلى منتهى رؤيتها لتبحث عن قطرات من ذالماء يروي بها عطشه.
يفكر جدياً في كسر البطيخة الثقيلة التي يحملها بين ذراعه ووسطه ويكلفه عناء حملها مجهوداً آخر... وعرقاً أكثر
لما يئس من الماء جال ببصره باحثاُ عن مقعداً يتخذه خليلاً في الدقائق القادمة .. عساه يجد في قاعدته الخشبية وسقفه المعدني ظلاً يأوى إليه!
كل ما حوله لا يرحمه
حتى أن الأسفلت لم يشفق عليه وانصهر تحت وطأة خطواته ليلهب أقدامه من جمر حرارة الشمس
منديله القماشي يأبى أن يمتص أياً من العرق المتصبب على وجهه لأرتوائه منها
قميصه الكتاني يفترس جسده بلا رحمه .. وكيف لا وهو لا يملك إلا أخ له يستعين به على الكساء أيام الصيف والشتاء
حمالات البنطال البوليسريه تصر على جلده وترك آثار تعذيبها الوحشي على جلده
بنطاله الصوفي الذي يعلن للبشرية كلها كم فقد من وزنه في الآونة الأخيرة
حذاؤه الذي لم يتردد للحظة في التخلي عن لونه الأسود منذ عام أو يزيد مستسلماً للون الرمادي الذي أورثته إياه الأتربة
يرفع منظاره عن عينيه محاولا الحصول على رؤية أفضل.
يبتسم وهو ينظر إلى البطيخة التي سيسعد بها أم الأولاد ويربت عليها مفتخراً بقلبها الأحمر
يمسحها بمنديله معلناً أن سعادة أم الأولاد تستحق تكبده عناء حملها وهو صاحب الطعنة الأكثر إيغاراً بين حشايا العمر!
يعتصر منديله لينفضه من عرقه وليعده لمهمة مسح دموعها التي تركها تسكبها صباحاً.
كان يأمل في البطيخة أن تعاود تأثيرها السحري على قلبها وتعود البسمة لترتسم على وجهها
توقف للحظة على بعد أمتار قليلة من أحد المحال التجارية ليبتاع زجاجة من المياة يروي بها عطشه.
لكن كيف سيتخلى عن البطيخة لصالح الأرض ليُحصِّل النقود من جيبه؟
نظر قليلاً إلى المحل نظرة رجاء أن يأتيه الماء ويتعامل التاجر مع جيبه بحرية دون أن يكبده عنت التخلي عن البطيخة
لازال الطريق إلى بيته طويلاً وسنه لا يسمح له بالصيام فكيف يتحمل هذا العطش في هذا القيظ؟
تنهد الرجل طويلاً وقد حسم أمره
توقف أمام المحل واحنى ظهره في مشوار طويل إلى الأرض ليضع البطيخة ثم ينتصب قائماً راسماً إبتسامه مجهدة على شفتيه مطالباً التاجر بزجاجة المياة المثلجة اللازمة لري الصحراء القاحلة التي استوطنت حلقه
وكعادة أولاد بورسعيد سارع التاجر شفقة بحال العجوز بإحضار مقعد ليعينه على تحصيل قسطاً من الراحة.
وما إن جلس الرجل متكئاً على ذراع التاجر حتى تنبه لشيء هام
أن البطيخة تخلت عن مكانها وسارعت تتوسط الطريق مبتعدة عن قدميه التي كان يحرسها بهما.
صرخ الرجل ملتاعاً مطالباً البطيخة بالعودة مرة أخرى.
مطالباً إياها ان تتجنب بواطن السوء.
صارخاً إليها أن تحافظ على نفسها.
سائلاً ربه أن يرعاها ويحافظ عليها.
لم يكمل الرجل جلسته ولم يستطع التاجر أن يخلص من يده خوفاً عليه من السقوط
توازن العجوز واقفاً محاولاً أن يركض للحاق بالبطيخة
استوقفه التاجر وسارع للحاق بهاوكأنه قدَّر أنها قوت يوم الرجل.
وما بين صيحات التاجر وصرخات الرجل وأوات احتكاك عجلات السيارات بالطريق رجاءاً منها أن تقف، تتحرك البطيخة
تأبى البطيخة أن تسمع لنداءات الرجاء من العجوز الذي احتلت خطواته بدايات الطريق متمسكاً بزجاجة المياة .. والأمل في اللحاق بها.. سليمة
ما بين الخوف والرجاء وصل التاجر للبطيخة
وسقط العجوز على الأرض
وتناثر ماء الزجاجة في كل مكان إلا بين شفتيه
وأفلت منظاره من على وجهه
واستقر بظهره على حمم الأسفلت الساخن
تجمع المارة حول الرجل
وصل التاجر بالبطيخة
ما إن رآها الرجل حتى تبسم وقال
" أم العيال..."

تمت بحمد الله
حسام نصر

ليست هناك تعليقات: